مازدا تُعيد نبض الأسطورة 787B بمحركها الروتاري التاريخي من جديد
إحياء أيقونة لومان بمحركها الأسطوري

مازدا 787B .. لطالما احتل محرك الروتاري مكانة استثنائية في قلوب عشاق السيارات حول العالم، لكن عندما يُذكر هذا النوع من المحركات، فإن اسم سيارة Mazda 787B يتصدر المشهد بلا منازع. فهذه السيارة لم تكن مجرد مركبة سباق عابرة، بل أصبحت رمزًا خالدًا في تاريخ سباقات التحمل، بعدما قادت شركة مازدا اليابانية إلى تحقيق أول انتصار ياباني في سباق 24 Hours of Le Mans الشهير عام 1991.
واليوم، وبعد مرور 35 عامًا على هذا الإنجاز التاريخي، يعود هذا الإرث الميكانيكي إلى الواجهة من جديد، عبر مشروع استثنائي لإعادة بناء محركها الأسطوري R26B ذو الأربعة روتارات، في خطوة أعادت الحنين لعصر المحركات الصاخبة والهندسة الميكانيكية الفريدة.
إعادة بناء محرك مازدا 787B الأسطوري
في ولاية فلوريدا الأمريكية، تولت شركة Flis Performance المتخصصة مهمة دقيقة ومعقدة لإعادة إحياء قلب الوحش الياباني، حيث كشفت من خلال فيلم وثائقي قصير تفاصيل تفكيك وإعادة بناء محرك R26B الذي يُعد من أعظم المحركات في تاريخ رياضة السيارات.
هذا المشروع لم يكن مجرد صيانة اعتيادية، بل عملية هندسية دقيقة تتطلب خبرة عالية، لأن هذا المحرك ليس كأي محرك تقليدي يعمل بالمكابس، بل يعتمد على فلسفة مختلفة تمامًا تقوم على الحركة الدورانية.
سر المثلثات… محرك ليس له مثيل
بينما اعتمدت معظم شركات السيارات على محركات البيستون التقليدية، اختارت مازدا طريقًا مختلفًا تمامًا من خلال تطوير محرك روتاري متقدم، جعل من 787B أسطورة يصعب تكرارها.
محرك R26B يتكون من:
- أربعة روتارات داخل حجرات ألمنيوم خاصة
- ثلاث شمعات احتراق لكل Housing لضمان أعلى كفاءة احتراق
- قوة تصل إلى 700 حصان عند 9000 دورة في الدقيقة
- قدرة ميكانيكية تسمح بالوصول إلى 10,000 دورة في الدقيقة بسهولة
ورغم هذه القدرة الهائلة، قامت مازدا بتحديد سقف الدوران عند 9000 دورة فقط، حفاظًا على الاعتمادية المطلوبة لتحمل سباق لومان لمدة 24 ساعة كاملة دون أعطال.
هذا القرار كان أحد أسرار الفوز التاريخي، حيث أثبتت مازدا أن سباقات التحمل لا تُحسم فقط بالقوة القصوى، بل بالصمود والاعتمادية أيضًا.
التحدي الأكبر… قطع لا تُباع في الأسواق
إعادة بناء محرك سيارة سباق مثل Mazda 787B ليست مهمة يمكن تنفيذها بسهولة، فمعظم مكونات هذا المحرك صُنعت خصيصًا لهذا المشروع التاريخي، ولم تدخل خطوط الإنتاج التجارية أبدًا.
خبراء Flis Performance أوضحوا أن أي تلف في حجرات الروتور أو القطع الداخلية لا يمكن تعويضه عبر قطع من سيارات مثل Mazda RX-7، لأن كل جزء هنا هو قطعة فريدة من نوعها.
الأمر يتطلب تصنيعًا مخصصًا بدقة جراحية، مع الحفاظ الكامل على المواصفات الأصلية للمحرك، وهو ما يجعل هذه العملية أقرب إلى ترميم تحفة فنية نادرة أكثر من كونها إصلاحًا ميكانيكيًا.
السيمفونية المرعبة… صوت لا يُنسى
إذا سألت أي عاشق لسباقات السيارات عن أكثر صوت محرك أيقوني في التاريخ، فسيكون اسم مازدا 787B حاضرًا بقوة.
صوت المحرك ذو الأربعة روتارات لا يشبه أي شيء آخر. إنه ليس مجرد هدير، بل صرخة ميكانيكية حادة وعنيفة تخترق الأذن والجسد معًا، حتى أن كثيرًا من سائقي التسعينيات وصفوه بأنه صوت “يثقب الجماجم”.
في سباقات لومان، كان هذا الصوت مرعبًا ومهيبًا في الوقت نفسه، لدرجة أن السائقين احتاجوا إلى وسائل حماية سمعية خاصة تتجاوز المعايير المعتادة.
ولهذا السبب، لا يزال الكثيرون يعتبرون صوت 787B أفضل صوت محرك في تاريخ سباقات السيارات على الإطلاق.
إرث لا يعيش خلف زجاج المتاحف
ما يميز مازدا عن غيرها من الشركات، أنها لم تقرر حبس هذه الأسطورة داخل المتاحف فقط، بل حافظت على جاهزيتها التشغيلية للمشاركة في فعاليات عالمية كبرى مثل Rolex Monterey Motorsports Reunion على حلبة Laguna Seca Raceway.
هذا النهج يمنح الجماهير فرصة نادرة لسماع هذا الصوت التاريخي مرة أخرى، ومشاهدة السيارة وهي تتحرك على الحلبة بدلًا من الاكتفاء بمشاهدتها ساكنة خلف الزجاج.
إنها رسالة واضحة من مازدا بأن بعض الأساطير يجب أن تظل حيّة، لا محفوظة فقط.
فوز 1991… اللحظة التي غيّرت التاريخ
في عام 1991، نجحت مازدا 787B في تحقيق إنجاز غير مسبوق بفوزها بسباق لومان 24 ساعة، لتصبح أول سيارة يابانية وأول سيارة بمحرك روتاري تحقق هذا الإنجاز التاريخي.
في الوقت الذي عانت فيه سيارات مرسيدس من مشاكل ميكانيكية معقدة خلال الساعات الأخيرة، كانت 787B تواصل صراخها بثبات نحو خط النهاية، لتكتب اسمها بحروف ذهبية في سجل سباقات التحمل.
ذلك الفوز لم يكن مجرد انتصار رياضي، بل إثبات عملي أن الجرأة الهندسية والابتكار يمكن أن يهزما التقاليد الراسخة.
هل يعود الروتاري من جديد؟
مع عودة الحديث عن محرك R26B وإعادة بنائه، يتجدد السؤال الذي يطرحه عشاق مازدا باستمرار: هل يجب أن تعود المحركات الروتارية إلى السيارات الرياضية الحديثة؟
في زمن تهيمن فيه السيارات الكهربائية والأنظمة الهجينة، يرى كثيرون أن الروتاري يمثل هوية خاصة لمازدا لا يجب أن تختفي، بينما يرى آخرون أن مكانه الطبيعي سيبقى في حلبات السباق والذاكرة التاريخية فقط.
لكن المؤكد أن مازدا 787B ستظل تذكيرًا دائمًا بأن بعض المحركات لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بالمشاعر التي تتركها في قلوب عشاق السيارات.



