فاتورة «الوهم الكهربائي»… ستيلانتيس تدفع المليارات ثمناً للتراجع عن سيارات البطاريات
تراجع مكلف في سباق السيارات الكهربائية

في تطور صادم لصناعة السيارات العالمية، تستعد ستيلانتيس – رابع أكبر مُصنّع سيارات في العالم – للإعلان عن أول خسارة تشغيلية سنوية في تاريخها، في خطوة تعكس حجم الارتباك الذي أصاب استراتيجية التحول إلى السيارات الكهربائية. وكما هو الحال مع العديد من عمالقة الصناعة، فإن السبب الرئيسي وراء هذا النزيف المالي يتمثل في التراجع وتقليص الجهود في قطاع سيارات البطاريات، وهو تراجع لم يأتِ بلا ثمن، بل بفواتير بمليارات الدولارات.
ومن المتوقع أن تكشف المجموعة عن نتائجها المالية لعام 2025 في وقت لاحق من هذا الأسبوع، بالتزامن مع انطلاق سنتها المالية الجديدة في الأول من مارس، إلا أن المؤشرات الأولية لا تبشر بالخير على الإطلاق، بل تنذر بأكبر صدمة مالية منذ تأسيس الكيان العملاق.
فاتورة “الوهم الكهربائي”… 26 مليار دولار!
في وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت ستيلانتيس أن مراجعة وتقليص خارطة طريقها الطموحة في مجال السيارات الكهربائية، والتراجع عن عدد من المشاريع والخطط المرتبطة بسيارات البطاريات، سيكلفها مبلغًا فلكيًا يُقدَّر بنحو 22 مليار يورو، أي ما يعادل 26 مليار دولار أمريكي أو قرابة 97.5 مليار ريال سعودي.
وبلغة الأرقام الصريحة، تتوقع المجموعة أن تسجل خسارة تشغيلية معدلة في النصف الثاني من عام 2025 تتراوح بين 1.2 و1.5 مليار يورو، بعد أن كانت قد حققت أرباحًا متواضعة لم تتجاوز 500 مليون يورو في النصف الأول من العام نفسه. هذا التحول الدراماتيكي يعكس حجم الرهان الخاطئ الذي تم وضعه على تسارع الطلب العالمي على السيارات الكهربائية.
سابقة تاريخية منذ الاندماج الكبير
إذا ما تأكدت هذه الأرقام رسميًا، فستكون هذه أول خسارة تشغيلية سنوية تسجلها ستيلانتيس منذ تأسيسها في عام 2021، عقب الاندماج التاريخي بين مجموعة PSA الفرنسية ومجموعة فيات كرايسلر.
هذا الاندماج العملاق جمع تحت مظلة واحدة أكثر من اثنتي عشرة علامة تجارية عالمية عريقة، من بينها جيب و**دودج** و**بيجو** و**مازيراتي**، ما جعل ستيلانتيس واحدة من أقوى المجموعات من حيث الانتشار والحجم.
لكن يبدو أن الحجم وحده لا يكفي عندما تتعثر الاستراتيجية، خاصة في قطاع عالي الكلفة وسريع التغير مثل السيارات الكهربائية.
أين أخطأت ستيلانتيس؟
اعتمدت ستيلانتيس – مثل غيرها من الشركات – على فرضية أن التحول إلى السيارات الكهربائية سيكون سريعًا وحتميًا، مدفوعًا بالتشريعات البيئية والدعم الحكومي. إلا أن الواقع كشف عن تباطؤ الطلب، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتردد المستهلكين، خاصة في ظل أسعار السيارات الكهربائية المرتفعة ومحدودية البنية التحتية للشحن في العديد من الأسواق.
هذا التباين بين التوقعات والواقع أجبر المجموعة على إعادة النظر في خططها، ما أدى إلى إيقاف أو تأجيل مشاريع، وإعادة هيكلة استثمارات بمليارات الدولارات، لتتحول “الثورة الكهربائية” من فرصة نمو إلى عبء مالي ثقيل.
وعود الإدارة الجديدة: العودة للربحية
وسط هذه العاصفة المالية، خرج أنطونيو فيلوسا، الرئيس التنفيذي الجديد لشركة ستيلانتيس، ليطمئن المستثمرين، مؤكدًا أن المجموعة تستهدف العودة إلى الربحية خلال عام 2026.
ويُذكر أن فيلوسا تولى المنصب بعد المغادرة المفاجئة للرئيس التنفيذي السابق كارلوس تافاريس في أواخر عام 2024، وذلك على خلفية ضغوط مالية حادة وتراجع واضح في المبيعات والأداء.
الإدارة الجديدة تراهن الآن على مزيج أكثر توازنًا من محركات البنزين، والأنظمة الهجينة، مع تقليل الاعتماد على السيارات الكهربائية الخالصة في المرحلة الحالية.
ليست وحدها في المأزق
ما تمر به ستيلانتيس لا يُعد حالة فردية، بل يعكس اتجاهًا أوسع في صناعة السيارات العالمية. شركات عملاقة أخرى مثل جنرال موتورز و**فورد** أعلنت بدورها عن خسائر بمليارات الدولارات مرتبطة ببرامج السيارات الكهربائية، واضطرت إلى تأجيل أو تقليص استثمارات كانت تُعد قبل سنوات قليلة حجر الأساس لمستقبلها.
ويبدو أن هذه الخسائر ستستمر في ملاحقة صُناع السيارات خلال الفترة المقبلة، بينما يحاولون إعادة ضبط بوصلتهم الاستراتيجية وتصحيح تشكيلة طرازاتهم بما يتماشى مع ما يريده المستهلكون فعليًا، وليس ما تفرضه التوقعات المتفائلة أو الضغوط السياسية.
ختامًا
قصة ستيلانتيس مع “الوهم الكهربائي” تمثل درسًا قاسيًا في عالم الأعمال: التسرع في التحول دون قراءة دقيقة للسوق قد يكون مكلفًا للغاية. فبينما لا شك أن السيارات الكهربائية تمثل جزءًا من المستقبل، إلا أن الواقع يؤكد أن محركات البنزين والتقنيات الهجينة لا تزال تلعب دورًا محوريًا في الحاضر.
يبقى السؤال الأهم:
هل كان تسرع شركات السيارات في التحول الكامل نحو الكهرباء أكبر خطأ استراتيجي في تاريخ صناعة السيارات الحديثة؟ أم أن هذه الخسائر ليست سوى مرحلة مؤلمة على طريق التحول الحتمي؟
شاركونا آراءكم.



