تويوتا تعلن تعيين قيادة تنفيذية جديدة على رأس الشركة
تغيير استراتيجي في قمة الهرم الإداري

تويوتا تعيد رسم خريطة القيادة التنفيذية في توقيت غير متوقع
في خطوة فاجأت المراقبين والمحللين على حد سواء، قررت شركة تويوتا موتور كوربوريشن إعادة تشكيل قمة هرمها الإداري، رغم أنها لا تزال واحدة من أكثر شركات السيارات العالمية تماسكًا وربحية في وقت يشهد فيه القطاع اضطرابات غير مسبوقة. القرار جاء في توقيت يُظهر فيه العملاق الياباني أداءً ماليًا وتشغيليًا قويًا، ما فتح الباب واسعًا أمام التساؤلات حول الدوافع الحقيقية لهذا التحول القيادي.
الشركة اليابانية، المتربعة على عرش مبيعات السيارات عالميًا للعام الرابع على التوالي، أعلنت رسميًا إنهاء مهام رئيسها التنفيذي كوجي ساتو (Koji Sato) بعد ثلاث سنوات فقط من توليه المنصب، وهي مدة قصيرة نسبيًا بمعايير تويوتا المعروفة باستقرارها الإداري وقياداتها طويلة الأمد. ويكتسب القرار بعدًا أكثر حساسية كون ساتو يُعد خيارًا مباشرًا لرئيس مجلس الإدارة أكيو تويودا (Akio Toyoda)، ما جعل التغيير يبدو غير متوقع حتى داخل الأوساط القريبة من الشركة.
واعتبارًا من الأول من أبريل المقبل، ستنتقل القيادة التنفيذية إلى كينتا كون (Kenta Kon)، المدير المالي الحالي وأحد أكثر الشخصيات قربًا من تويودا، والذي شغل سابقًا منصب سكرتيره الشخصي، في إشارة واضحة إلى مستوى الثقة الكبيرة الممنوحة له لإدارة مرحلة دقيقة من تاريخ الشركة.
توقيت يثير التساؤلات رغم النتائج الإيجابية
ما يثير الاستغراب، بحسب محللي قطاع السيارات، ليس التغيير الإداري بحد ذاته، بل توقيته. فقد تمكنت تويوتا خلال فترة قيادة ساتو من تجاوز تحديات كبرى أربكت معظم صانعي السيارات عالميًا، من بينها تصاعد المنافسة الصينية الشرسة، وارتفاع تكاليف التحول نحو السيارات الكهربائية، إضافة إلى تعقيدات التجارة العالمية والرسوم الجمركية الأميركية.
ويرى محللون أن ثلاث سنوات لا تُعد فترة كافية لتقييم رئيس تنفيذي في شركة بحجم وتأثير تويوتا، خصوصًا أن النتائج المالية والتشغيلية خلال هذه المرحلة جاءت إيجابية إلى حد كبير، مع استمرار الشركة في تحقيق أرباح قوية والحفاظ على صدارتها العالمية في المبيعات.
ساتو ينتقل إلى دور استراتيجي جديد
ورغم خروجه من المنصب التنفيذي الأول، لن يغادر كوجي ساتو المشهد القيادي في تويوتا. إذ سيتولى منصب نائب رئيس مجلس الإدارة، إلى جانب دور جديد استحدثته الشركة تحت مسمى “كبير مسؤولي الصناعة”، في إشارة واضحة إلى رغبة الإدارة في الاستفادة من خبرته الهندسية ورؤيته الصناعية طويلة المدى.
وخلال فترة قيادته، واصلت تويوتا تبني نهجها المتحفظ في التحول الكهربائي، معتمدة بشكل أساسي على السيارات الهجينة بدل الاندفاع الكامل نحو السيارات الكهربائية. هذا النهج، الذي تعرض سابقًا لانتقادات، أثبت فعاليته مع تباطؤ الطلب على السيارات الكهربائية في أسواق رئيسية، لا سيما الولايات المتحدة، ما منح تويوتا أفضلية تنافسية واضحة.
كينتا كون… صرامة مالية في مواجهة العواصف
تعيين كينتا كون، القادم من عالم الأرقام والميزانيات، يحمل دلالات استراتيجية عميقة. فبعد سنوات ركّز فيها أكيو تويودا على تطوير المنتج وبناء سيارات تحمل طابعًا عاطفيًا ورياضيًا أقوى، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد تشديدًا على الانضباط المالي وإدارة المخاطر.
وتواجه تويوتا تحديات مالية متزايدة، أبرزها الرسوم الجمركية الأميركية التي فُرضت خلال العام الماضي، والتي أقرت الشركة بأنها ستكلفها نحو 9 مليارات دولار خلال سنتها المالية الحالية. ورغم ذلك، رفعت تويوتا مؤخرًا توقعاتها لأرباح التشغيل السنوية بنحو 12%، مستفيدة من ضعف الين الياباني وبرامج خفض التكاليف، وهو ما انعكس إيجابًا على أداء سهمها في الأسواق العالمية.
قائد يتجاوز دور المدير المالي التقليدي
كينتا كون ليس مجرد مدير مالي تقليدي. فهو يُعد أحد أبناء تويوتا المخضرمين، ويتمتع بحضور واسع يتجاوز الحسابات والميزانيات. إذ يشغل عضوية مجلس إدارة Woven by Toyota، الذراع التقنية للشركة والمكلفة بتطوير حلول التنقل المستقبلية، كما يشارك في إدارة وحدة تويوتا العقارية التي تقود استثمارات وصفقات استراتيجية خارج نطاق صناعة السيارات.
وعندما سُئل عن هويته القيادية مقارنة بتويودا “عاشق السيارات” وساتو “المهندس الشغوف”، جاء رده واضحًا ومعبّرًا:
هو يحب السيارات، لكنه يؤمن بأن المال وقوة الأرباح هما الأساس لضمان تصميمها وهندستها وتصنيعها بالشكل الصحيح، وتأمين الاستثمارات اللازمة لاستمرار هذا الإرث العريق.
ختامًا
بهذا القرار، تدخل تويوتا مرحلة جديدة من تاريخها، لا بحثًا عن النجاة، بل سعيًا لإعادة ضبط البوصلة بين الشغف والهندسة من جهة، والصرامة المالية والانضباط الاستثماري من جهة أخرى. وفي عالم سيارات يتغير بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، يبدو أن تويوتا اختارت التحرك مبكرًا، لتظل لاعبًا رئيسيًا لا يتفاعل مع التحولات فحسب، بل يصنعها أيضًا.



